سيد محمد طنطاوي
209
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والأمر في قوله * ( فَذُوقُوا ) * للإهانة والإذلال ، وهو من باب الاستعارة في * ( فَذُوقُوا ) * استعارة تبعية تخييلية . وفي العذاب استعارة مكنية : حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل والذوق تصويرا له بصورة ما يذاق ، وأثبت له الذوق تخييلا - وهو قرينة المكنية . وأل في العذاب للعهد أي فذوقوا العذاب المعهود الموصوف بالعظم ، والذي سبق أن حذركم اللَّه - تعالى - منه ، ولكنكم لم تعيروا التحذير انتباها ، بل تماديتم في كفركم وضلالكم حتى أدرككم الموت وأنتم على هذه الحال الشنيعة . ثم بين - سبحانه - حال الذين ابيضت وجوههم وحسن عاقبتهم فقال : * ( وأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ) * ببركة إيمانهم وعملهم الصالح * ( فَفِي رَحْمَتِ اللَّه ) * أي ففي جنته . والتعبير عن الجنة بالرحمة من باب التعبير بالحال عن المحل فتكون الظرفية حقيقة . وإذا أريد برحمة اللَّه ثوابه وجزاؤه تكون الظرفية مجازية . وفي التعبير عن الجنة بالرحمة إشعار بأن دخولها إنما هو بمحض فضل اللَّه - تعالى - فهو - سبحانه - المالك لكل شيء ، والخالق لكل شيء . وقوله * ( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) * بيان لما خصهم اللَّه - تعالى - من خلود في هذا النعيم الذي لا يحد بحد ، ولا يرسم برسم ، ولا تبلغ العقول مداه . أي هم في الرحمة باقون دائمون فقد أعطاهم اللَّه - تعالى - عطاء غير مجذوذ . وقد بدأ - سبحانه - كلامه عن الفريقين بالذين ابيضت وجوههم ثم قدم الحديث عن حال الذين اسودت وجوههم على الذين ابيضت وجوههم ، ليكون ابتداء الكلام واختتامه عن هؤلاء السعداء بما يسر القلب ويشرح الصدر ويغرى الناس بالتمسك بعرى الإيمان وبالإكثار من العمل الصالح الذي يوصلهم إلى رحمة اللَّه ورضاه . ووصف - سبحانه - الذين ابيضت وجوههم بأنهم خالدون في رحمته ، ولم يصف الذين اسودت وجوههم بالخلود في العذاب للتصريح في غير هذا الموضع بخلودهم في هذا العذاب كما في قوله - تعالى - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ والْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ « 1 » . وللإشعار بأن باب رحمته - سبحانه - مفتوح أمام هؤلاء الضالين فعليهم أن يثوبوا إلى رشدهم ، وأن يقلعوا عن الكفر إلى الإيمان والعمل الصالح حتى ينجوا من عذاب اللَّه وسخطه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه . وبعد أن أفاض - سبحانه - في الحديث عن أحوال السعداء وأحوال الأشقياء وعن رذائل
--> ( 1 ) سورة البينة الآية 6 .